ابن حمدون
146
التذكرة الحمدونية
يتساوكن هزالا ، مخّهنّ قليل ، ولا نقي لهنّ . فلما رأى أبو معبد اللبن ، عجب وقال : من أين هذا يا أمّ معبد ، والشاة عازبة حائل ، ولا حلوبة في البيت ؟ فقالت : لا واللَّه ، إلا أنّه مرّ بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت . قال : صفيه لي يا أمّ معبد . قالت : رجل ظاهر الوضاءة ، أبلج الوجه ، حسن الخلق ، لم تعبه نحلة ، ولم تزر به صعلة ؛ وسيم قسيم ، في عينيه دعج ، وفي [ أشفاره ] وطف [ 1 ] ، وفي صوته صحل [ 2 ] ، وفي عنقه سطع ، وفي لحيته كثاثة ، أحور ، أكحل ، أزجّ ، أقرن ؛ إن صمت فعليه الوقار ، وإن تكلَّم سما وعلاه البهاء ؛ أجمل الناس وأبهاه من بعيد ، وأحلاه وأحسنه من قريب ، حلو المنطق ، فصل ، لا نزر ولا هذر ، كأنّ منطقه خرزات نظم يتحدّرن ، ربعة لا تشنوه من طول ، ولا تقتحمه العين من قصر ، غصن بين غصنين ، فهو أنضر الثلاثة منظرا ، وأحسنهم قدرا ، له رفقاء يحفّون به ، إن قال أنصتوا لقوله ، وإن أمر تبادروا إلى أمره ، محفود محشود ، لا عابس ولا مفنّد . قال أبو معبد : [ هو واللَّه ] صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره بمكَّة ما ذكر ، ولو كنت وافقته لا لتمست صحبته ، ولأفعلنّ إن وجدت إلى ذلك سبيلا . « 356 » - روي أنّ عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه نظر إلى أهل الشورى جلوسا ، فقال : أكلَّكم يطمع في الخلافة بعدي ؟ فوجموا ، فقال لهم ثانية ، فأجابه الزبير فقال : نعم ، وما الذي يبعدنا عنها ، وقد وليتها فقمت بها ،
--> « 356 » انظر أنساب الأشراف 5 : 17 والعثمانية للجاحظ : 274 .